محمد بن جرير الطبري
94
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ويهود بني النضير ، فاستعانهم في عقلهما . قال : فاجتمعت اليهود لقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه النبي صلى الله عليه وسلم ، واعتلوا بصنيعة الطعام ، فأتاه جبريل صلى الله عليه وسلم بالذي اجتمعت عليه يهود من الغدر ، فخرج ثم دعا عليا ، فقال : " لا تبرح مقامك ، فمن خرج عليك من أصحابي فسألك عني فقل وجه إلى المدينة فأدركوه " قال : فجعلوا يمرون على علي ، فيأمرهم بالذي أمره حتى أتى عليه آخرهم ، ثم تبعهم ؛ فذلك قوله : وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ حدثني الحرث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا إسرائيل ، عن السدي ، عن أبي مالك في قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ قال : نزلت في كعب بن الأشرف وأصحابه ، حين أرادوا أن يغدروا برسول الله صلى الله عليه وسلم وقال آخرون : بل النعمة التي ذكرها الله في هذه الآية ، فأمر المؤمنين من أصحاب رسول الله بالشكر له عليها ، أن اليهود كانت همت بقتل النبي صلى الله عليه وسلم في طعام دعوه إليه ، فأعلم الله عز وجل نبيه ما هموا به ، فانتهى هو وأصحابه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إجابتهم إليه . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إلى قوله : فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وذلك أن قوما من اليهود صنعوا لرسول الله وأصحابه رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما ليقتلوه إذا أتى الطعام ، فأوحى الله إليه بشأنهم ، فلم يأت الطعام وأمر أصحابه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبوه وقال آخرون : عنى الله جل ثناؤه بذلك النعمة التي أنعمها على المؤمنين باطلاع نبيه صلى الله عليه وسلم على ما هم به عدوه وعدوهم من المشركين يوم بطن نخل من اغترارهم إياهم ، والإيقاع بهم إذا هم اشتغلوا عنهم بصلاتهم ، فسجدوا فيها ، وتعريفه نبيه صلى الله عليه وسلم الحذار من عدزه في صلاته بتعليمه إياه صلاة الخوف . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ الآية ، ذكر لنا أنها نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ببطن نخل في الغزوة السابعة ، فأراد بنو ثعلبة وبنو محارب أن يفتكوا به ، فأطلعه الله على ذلك . ذكر لنا أن رجلا انتدب لقتله ، فأتى نبي الله صلى الله عليه وسلم وسيفه موضوع ، فقال : آخذه يا نبي الله ؟ قال : " خذه " قال : أستله ؟ قال : " نعم " فسله ، فقال : من يمنعك مني ؟ قال : " الله يمنعني منك " . فهدده أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأغلظوا له القول ، فشام السيف ، وأمر نبي الله صلى الله عليه وسلم أصحابه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرحيل ، فأنزلت عليه صلاة الخوف عند ذلك . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن الزهري ، ذكره عن ابن أبي سلمة ، عن جابر : أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل منزلا ، وتفرق الناس في العضاه يستظلون تحتها ، فعلق النبي صلى الله عليه وسلم سلاحه بشجرة ، فجاء أعرابي إلى سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذه فسله ، ثم أقبل على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : من يمنعك مني ؟ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : " الله " ، فشام الأعرابي السيف ، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبرهم خبر الأعرابي وهو جالس إلى جنبه لم يعاقبه . قال معمر : وكان قتادة يذكر نحو هذا ، وذكر أن قوما من العرب أرادوا أن يفتكوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأرسلوا هذا الأعرابي . وتأول : اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ الآية وأولى الأقوال بالصحة في تأويل ذلك ، قول من قال : عنى الله بالنعمة التي ذكر في هذه الآية نعمته على المؤمنين به وبرسوله ، التي أنعم بها عليهم في استنقاذه نبيهم محمدا صلى الله عليه وسلم ، مما كانت يهود بني النضير همت به من قتله وقتل من معه يوم سار إليهم نبي الله صلى الله عليه وسلم في الدية التي كان تحملها عن قتيلي عمرو بن أمية . وإنما قلنا ذلك أولى بالصحة في تأويل ذلك ، لأن الله عقب ذكر ذلك برمي اليهود بصنائعها وقبيح أفعالها وخيانتها ربها وأنبياءها . ثم أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالعفو عنهم والصفح عن عظيم جهلهم ، فكان